يطرح الكاتب مراد صوفو أوغلو تساؤلًا محوريًا حول موازين الربح والخسارة في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث يشير إلى أن موسكو، رغم العقوبات الغربية الثقيلة، تخرج بمكاسب غير متوقعة. ويبرز أن الرهان الغربي على خنق الاقتصاد الروسي عبر العقوبات لم يحقق أهدافه، إذ واصل الاقتصاد الروسي التماسك، واستمرت آلة الحرب في العمل، مدعومة بقدرة موسكو على تصدير الطاقة إلى قوى كبرى مثل الصين والهند.


في المقابل، يوضح تقرير تي آر تي وورلد أن الولايات المتحدة وأوروبا شعرتا سريعًا بضغط الحرب، خاصة بعد إغلاق إيران لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. أدى ذلك إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، وإرباك الأسواق العالمية، ما دفع واشنطن إلى اتخاذ خطوة لافتة عبر تخفيف بعض القيود على النفط الروسي، في إشارة إلى تراجع نسبي في قدرتها على فرض سياساتها الاقتصادية.


تراجع النفوذ الأمريكي وصعود موسكو


يكشف التحليل أن قرار واشنطن بالسماح المؤقت بشراء النفط الروسي يعكس حدود القوة الأمريكية، أكثر مما يعكس تحولًا استراتيجيًا طويل الأمد. يرى خبراء أن هذه الخطوة، رغم محدوديتها الزمنية، تحمل دلالة سياسية عميقة: لم تعد الولايات المتحدة قادرة على تحمل عبء الاستقرار الاقتصادي العالمي بمفردها.


يدعم هذا الطرح تصريح محللين بأن تخفيف العقوبات يمنح روسيا متنفسًا اقتصاديًا، ويضعف الرسالة الغربية الموحدة تجاه موسكو. كما أثار القرار استياء حلفاء أوروبيين وأوكرانيين، الذين اعتبروا أن هذه الخطوة قد تمول الحرب الروسية في أوكرانيا بمليارات الدولارات.


في الوقت نفسه، يبرز انقسام واضح داخل المعسكر الغربي، حيث تعطي واشنطن أولوية لحلفائها في آسيا مثل الهند، التي تحتاج إلى مصادر طاقة مستقرة، بينما تواجه أوروبا أزمة طاقة متفاقمة نتيجة تقليص الاعتماد على روسيا.


مكاسب اقتصادية واستراتيجية لروسيا


يؤكد التحليل أن ارتفاع أسعار النفط نتيجة الحرب يخدم الاقتصاد الروسي بشكل مباشر، إذ يزيد عائدات التصدير ويعزز قدرة موسكو على تمويل عملياتها العسكرية. كما تستفيد روسيا من زيادة الطلب العالمي على النفط، خاصة مع تراجع الإمدادات من الخليج.


يشير خبراء إلى أن استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترة أطول سيضاعف هذه المكاسب، حيث تتجه دول مستهلكة كبرى إلى توقيع اتفاقيات طويلة الأجل مع روسيا لضمان أمنها الطاقي. كذلك تسعى موسكو إلى إعادة تقديم نفسها كمورد موثوق للطاقة في الأسواق الدولية.


إلى جانب ذلك، يساهم القرار الأمريكي في تعزيز الثقة داخل الكرملين، حيث يرى صناع القرار الروس أن الضغوط الغربية بدأت تفقد فعاليتها، وأن العقوبات وصلت إلى حدود تأثيرها.


تأثيرات عسكرية تعزز موقع موسكو


لا تقتصر المكاسب على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى المجال العسكري. يؤدي انخراط الولايات المتحدة في الحرب مع إيران إلى استنزاف مخزونها من الأسلحة، خاصة أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ، التي تحتاجها أوكرانيا بشدة.


يشير محللون إلى أن هذا الاستنزاف يضعف القدرة الأمريكية على دعم كييف، ما يمنح روسيا أفضلية ميدانية في الحرب الأوكرانية. كما يزيد الصراع في الشرق الأوسط الطلب على أنظمة الدفاع الروسية، التي تحظى بسمعة قوية عالميًا.


في سياق متصل، قد تؤدي التطورات الأخيرة إلى تقليص التعاون الاستخباراتي بين واشنطن وكييف، خاصة مع مخاوف من تسرب معلومات إلى أطراف أخرى، ما يضعف الموقف الأوكراني أكثر.


واقع جديد يعيد تشكيل التوازنات


يوضح التحليل أن الحرب في إيران تعيد رسم الخريطة الجيوسياسية، حيث تتراجع فرضيات سابقة حول إمكانية تغيير الأنظمة عبر الضغط العسكري أو الاقتصادي. فكما صمدت إيران أمام العقوبات، تواصل روسيا الصمود رغم الضغوط الغربية.


يرى بعض الخبراء أن فشل تحقيق أهداف واضحة في إيران يبعث برسائل ضعف إلى خصوم واشنطن، مثل روسيا والصين، ويعزز قناعتهم بقدرتهم على تحدي النظام الدولي القائم.


في النهاية، يشير المشهد إلى مفارقة لافتة: بينما تخوض الولايات المتحدة حربًا لفرض نفوذها، تجني روسيا ثمارًا اقتصادية وعسكرية دون انخراط مباشر. ويظل العامل الحاسم في تحديد حجم هذه المكاسب هو مدة استمرار الحرب ومسارها، حيث كلما طال أمدها، اتسعت دائرة المستفيدين وعلى رأسهم موسكو.

 

https://www.trtworld.com/article/3421a9933e61